عندما أرسلت العنوان المقترح لأطروحتي لرسالة الماجستير بعنوان «الفراغ كقيمة تشكيلية في العمل النحتي» أتاني الظرف عائداً بدائرة حمراء حول كلمة العمل النحتي وسهم يشير إلى استبدالها بمصطلح «العمل المجسم» من باب الابتعاد عن الشبهات، فبالرغم من السنوات التي مرت ورغم ما يذاع بتطور الفن وتلك البحوث التي قدمت أدركت أن الفن وقيمته توقف بها الزمن عند أن الفن هو سماء وأرض ونخلة وخيل وما خالف ذلك مرفوض وغير مقبول ولا ينظر إليه كفن بحكم إنه لا يتوافق مع رؤيتنا للأشياء من حولنا التي نراها كما هي، ولا نملك الوقت لتأمل ما لانراه ،أجمل ما خرجت به من تلك المرحلة تواصلي عبر الزمن مع عمالقة من فن النحت كانت أعمالهم هي بوابتي للحوار معهم رغم غيابهم إلا أنهم كانوا مؤثرين بترك بصمتهم بما خلدوه من أعمال نحتية رفيعة المستوى شكّل كل منها بالنسبة لي عملاً متفرداً في تقنيته وأسلوبه ومنهجه كهنري مور وناعوم جابو وديفيد سميث وباربرا هيبورث وألبرتوجياكومتي وغيرهم، وعاد بي الزمن لبدايات النحت السعودي والدور البارز الذي قام به النحات عبدالله العبد اللطيف في رسمه أولى الخطوات لأقدم الفنون وأرقاها وأرى مدى ما تغيّر حاله اليوم وإلى أين وصل من تقدم لأجد تلك الدائرة الحمراء التي وضعت حول عنواني ولأقف أمام عرض أعمال نحتية ملاصقة للحائط في ظن منهم أنها تعامل معاملة اللوحة وبين إقصاء منحوتة وغض النظر عن إبداع نحات متميز وبين غياب معارض خاصة به ذات مستوى متقدم ومعاصر وصولاً إلى ما اعتدنا عليه في المسابقات التشكيلية بأن اللوحة هي سيدة المعارض والقائمة تطول لسرد حاله وما يعبر به من دوائر حمراء.
أرشيف الفئة ‘قطع سكر’
لنبدأ القراءة من الصفحة الأولى
حالة العزلة التي تعيشها مجالات الإبداع لها تأثير سلبي على تطور النتاج الفني، فالمجالات الإبداعية في مسار الثقافة والفنون تسير في دوائر منعزلة الواحدة عن الأخرى، وكل دائرة منغلقة على ذاتها وعن توابعها، فالخزاف بعيد عن النحات عن المصور … الخ، والعزلة ليست مقصورة في حالة التواصل الروحي، وإنما تتعدّاها لتصل إلى حالة العزلة المعرفية . أجد أنّ القاسم المشترك بين تلك المجالات: بأنها تمثل ثقافة ومرآة المجتمع، الألم المشترك: بأنها سماء بلا أرض، الهم المشترك: البحث عن مقر وإيجاد دعم الشعار المشترك: المجتمع لا يرانا، إذاً .. من سيحضر لمن، من سيتابع من، من سيحاور من، إذا كنا لا نسمع سوى صدى أصواتنا ولا نرى سوى ملامحنا فالدائرة ستبقى في مكانها متحجرة لا حراك لها وعليها أن تجد نوافذ لتتواصل مع محيطها الخارجي، فالنجوم في السماء لا تلمع من تفردها بذاتيتها وإنما بقربها واتحادها مع محيطها الخارجي.
فحركات التغيير التي مرت بها ثقافة المجتمعات كان وراءها اتحاد ثقافي بين المجالات الإبداعية وإن بدت خطواتهم صغيرة مرفوضة وغير مقبولة، ولكن كان في تواجدهم معاً قوة حققت التغيير حيث نلمس حضوره الطاغي في تغيير ثقافة مجتمعاتهم وهو ما نطمح له في مجتمعنا فلسنا أقل ولكن يلزمنا الكثير والكثير اتطلع لإطلاق صالون ثقافي في جدة والرياض والدمام وبقية المدن نرى فيه مجالات الإبداع جنباً إلى جنب تثري كل منها الآخر فأغلب الظن بأننا معشر التشكيليين نقلب صفحات المجلة للوصول إلى هنا وأغلب الظن بأن معشر الأدباء يسارعون لصفحة أخرى وكذلك حال البقية لنبدأ القراءة من الصفحة الأولى، ولنتعلم بأن الحكم على الآخر يأتي بعد أن نعرفه جيداً وبعد أن ينال الفرصة بتقديم ما لديه.
:
مقالتي الرابعة..جائزة مكة للتميّز

الخميس 19/7/1431هـ -1/7/2010م
تابعت إعلان جائزة مكة للتميّز، وهي محط اهتمام ومتابعة الكثيرين، حيث كانت الدورة الثانية لهذا العام بمتابعة جادة من قِبل سمو الأمير خالد الفيصل برؤيته الطموحة للسير بها نحو العالم الأول.
فخورة بتكريم العالمة حياة سندي وهو التكريم الأول لها على أرض الوطن، وعلى الجانب الآخر تم حجب جائزة مكة للتميّز عن فرع الثقافة أعجبني ما كتبته الأستاذة لمياء باعشن في مقالتها في العدد 315 واستعراضها للمشكلة التي باتت فعلاً مشكلة واتفق معها فيما ذهبت إليه ونادت به.
منطقة مكة ليست عقيمة حتى يغيب مبدعوها عن مجالات الفن والثقافة؛ فهي زاخرة وعامرة منذ عقود بعطاءات لا تنتهي، وليس من السهل أن نستيقظ فجأة بخبر غياب منجزهم الإبداعي، ومن الصعب جداً أن نقيس الإبداع والتميّز في مجال الثقافة والفنون بذات المعيار في المجالات الأخرى، فالنتاج الثقافي الإبداعي يمتد لمشروعات طويلة المدى وبروافد متصلة، فالتأثير الذي تبثه اللوحة لا يوازي إبداع رواية أدبية أو اكتشاف عقار طبي! فمن الصعب أن يتم تقييم أصالة وتميّز نتاجهم الإبداعي بذات المعيار؟!
المشكلة الكبرى التي تواجه المبدعين في مجال الثقافة والفنون أن جهودهم ما زالت فردية ذاتية لا تقع تحت مظلة كبرى تتبنى النتاج الإبداعي وتعترف به بشكل رسمي؛ فلجنة الجائزة اشترطت أن يتم استقبال الأعمال ورفعها عبر جهة مرشحة ولم يكن هناك على حد علمي سوى جمعية الثقافة والفنون التي استقبلت الأعمال ورفعتها للجنة وهنا انتهى الدور، فلمَ لا يكون احتضان هؤلاء المبدعين بوقت مبكر بتبني ودعم مشاريعهم الإبداعية عبر جهات معترف بها ليتسنى لها الظهور نحو النور ويصبح بالفعل لدينا مشروع ثقافي نجني ثماره بالسير نحو العالم الأول.
:
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2010/01072010/tachkel47.htm
مقالتي الثالثة..هاربون من الضوء
الجزيرة الثقافية..24/6/2010م
|
تحت الضوء نرى الأشياء من حولنا بوضوح وندرك ملامحها بشكل أجمل وعندما يشتد الضوء تتلاشى تلك الملامح شيئاً فشيئاً فلا نرى سوى هالة مضيئة دون إلمام بما نرى، وقد نزيح أبصارنا عنها لأنها سببت ضوضاء بصرية لنا. وهذا حال بعض الفنانين الذين أحرقهم الضوء فاعتيادنا على ظهورهم وتواجدهم جعلهم يفقدون بريقهم وتوهجهم فيما كنا ننتظر إطلالتهم محملين بآخر ما صاغته أنامل إبداعهم. وعلى الضفة الأخرى هناك من اختاروا الهروب من الضوء رغم أنهم في صدارة من نحتفي بهم وننتظر حضور إنتاجهم الفني، إلا أنهم وجدوا في ذلك الهروب ضالتهم فتأتي أعمالهم كموسم المطر مفعمة بروح التفاني والتقدير لفنهم الراقي؛ إذ رغم سنوات عطائهم التي مرت وعبرت بنا وبهم إلا أنهم لم يسجلوا حضوراً بمعارض شخصية تحتضن تجربتهم التي تستحق التوثيق والإشادة، وجديرة بأن تنال شيئاً من وقتنا للاحتفاء بها وبهم؛ فهم يعللون هروبهم من الضوء بأنهم لم يقدموا ما يستحق التفرد بمعرض إيماناً منهم بأن التجربة الشخصية لها احترامها وأن الإقدام على اتخاذها ليس بالأمر السهل ويحتاج لتروي وتمهل بتقديم ما يستحق العرض ومنهم من يرى بأن المشاركة في المعارض والمسابقات التشكيلية لم تعد تقدم إضافة للمشاركين بها لضعف التنظيم والمستوى ومرورها بحالة الجمود. لكم أيها المبدعون المتوهجون رغم غيابكم مساحة لا يضيئها سوى احترامكم لإبداعكم فنحن وإن كنا حديثي عهد بتلك الساحة إلا أن دروب الإبداع لا تضاء إلا بعطاء عابريها، فمازالت رحلتنا في بدايتها ونحتاج تواجد تجارب جادة نستقي منها خبرة ورؤية فنية متميزة، فالفنان الناجح روافده متجددة مهما كانت الظروف التي يعبر بها وتواصله مع من سبقه ومن أتى بعده إضافة لقيمته. |
مقالتي الثانية..قارب العبور
الجزيرة الثقافية..17/6/2010م
الشكوى الدائمة للمبدعين هي غياب الدعم وعدم وجود بيئة مشجعة للإبداع تساعد على المضي قدماً في طريق الإبداع، وفي مجال الفن التشكيلي تظل هذه الشكوى أزلية نتوارثها جيلاً بعد جيل وكأنه شعار إلزامي علينا ترديده حتى نستمر ونكبر ليأتي جيل آخر نورّثه مشاكلنا دون أن يجد أرضية صلبة يقف عليها، و دون أن يجد حلولاً جذرية لمشاكل إن أعدنا النظر إليها لوجدنا أول خطوة في علاجها هي صفاء النوايا وأن تصبح الأنا (نحن) وأن يتم وضع حلول فعلية تُطَبَق على أرض الواقع لا أن تكون مجرد أمنيات وطموحات تغدو في الصباح التالي هباءً منثوراً.
في الحديث عن الفن وتطور ثقافة المجتمعات يكون الدور الأكبر لمؤسسات المجتمع التي يقع على عاتقها مسؤولية بناء بيئة ثقافية مهيأة لنمو الإبداع وفي الحديث عن التجارب الإبداعية المميزة يأتي دور الفنان بتسجيله لحضور إبداعي نلمس تقدمه عملاً تلو آخر، إلا أن هذا الرأي يسير بصورة مغايرة لدينا فتلك المؤسسات لا تعي حقيقة موقفها وأهمية الدور الذي يجب أن تتخذه بشكل فعلي للرقي بالتجارب الإبداعية في مجتمعها؛ فتظل خطواتنا فردية تتكئ على بعض المعطيات التي لا تأخذ طابع الاستمرارية فهي أشبه بالحظ يأتي بغتة ويختفي، وما حالات الإحباط التي يمر بها كثير من الفنانين آتية من فراغ.
تظل بداخلي قناعة كبيرة بأن التغيير يأتي من الفنان بصدقه مع نفسه وبإيمانه بموهبته وبتحديه لذاته في مواجهة تلك الصعوبات ولكن أجد أنني في لحظات أعيد النظر في هذه القناعة: إلى متى سأظل مؤمنة بها ؟ قد يكون العبور نحو الضفة الأخرى والتحليق في فضاءات الإبداع لا يحتاج سوى أن يصنع كل مبدع قاربه وفق قناعاته.





